تفسير ابن كثير تفسير الصفحة 258 من المصحف



تفسير ابن كثير - صفحة القرآن رقم 258

258 : تفسير الصفحة رقم 258 من القرآن الكريم

** أَلَمْ تَرَ أَنّ اللّهَ خَلَقَ السّمَاوَاتِ وَالأرْضَ بِالْحقّ إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ * وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللّهِ بِعَزِيزٍ
يقول تعالى مخبراً عن قدرته على معاد الأبدان يوم القيامة بأنه خلق السموات والأرض التي هي أكبر من خلق الناس, أفليس الذي قدر على خلق هذه السموات في ارتفاعها واتساعها وعظمتها, وما فيها من الكواكب الثوابت والسيارات, والحركات المختلفات, والاَيات الباهرات, وهذه الأرض بما فيها من مهاد ووهاد وأوتاد, وبراري وصحارى, وقفار وبحار, وأشجار ونبات, وحيوان على اختلاف أصنافها ومنافعها وأشكالها وألوانها {أو لم يروا أن الله الذي خلق السموات والأرض ولم يعي بخلقهن بقادر على أن يحيي الموتى, بلى إنه على كل شيء قدير} وقال تعالى: {أو لم ير الإنسان أنا خلقناه من نطفة فإذا هو خصيم مبين * وضرب لنا مثلاً ونسي خلقه قال من يحيي العظام وهي رميم ؟ * قل يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم * الذي جعل لكم من الشجر الأخضر ناراً فإذا أنتم منه توقدون * أوليس الذي خلق السموات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم بلى وهو الخلاق العليم * إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون * فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء وإليه ترجعون} وقوله {إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد * وما ذلك على الله بعزيز} أي بعظيم ولا ممتنع بل هو سهل عليه إذا خالفتم أمره أن يذهبكم ويأت بآخرين على غير صفتكم كما قال: {يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد * إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد * وما ذلك على الله بعزيز} وقال: {وإن تتولوا يستبدل قوماً غيركم * ثم لا يكونوا أمثالكم} وقال: {يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه} وقال: {إن يشأ يذهبكم أيها الناس ويأت بآخرين وكان الله على ذلك قدير}.

** وَبَرَزُواْ للّهِ جَمِيعاً فَقَالَ الضّعَفَاءُ لِلّذِينَ اسْتَكْبَرُوَاْ إِنّا كُنّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنتُمْ مّغْنُونَ عَنّا مِنْ عَذَابِ اللّهِ مِن شَيْءٍ قَالُواْ لَوْ هَدَانَا اللّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ سَوَآءٌ عَلَيْنَآ أَجَزِعْنَآ أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِن مّحِيصٍ
يقول تعالى: {وبرزو} أي برزت الخلائق كلها برها وفاجرها لله الواحد القهار, أي اجتمعوا له في براز من الأرض وهو المكان الذي ليس فيه شيء يستر أحداً {فقال الضعفاء} وهم الأتباع لقادتهم وسادتهم وكبرائهم {للذين استكبرو} عن عبادة الله وحده لا شريك له وعن موافقة الرسل قالوا لهم: {إنا كنا لكم تبع} أي مهما أمرتمونا ائتمرنا وفعلنا {فهل أنتم مغنون عنا من عذاب الله من شيء} أي فهل تدفعون عنا شيئاً من عذاب الله كما كنتم تعدوننا وتمنوننا, فقالت القادة لهم: {لو هدانا الله لهديناكم} ولكن حق علينا قول ربنا, وسبق فينا وفيكم قدر الله, وحقت كلمة العذاب على الكافرين, {سواء علينا أجزعنا أم صبرنا مالنا من محيص} أي ليس لنا خلاص مما نحن فيه إن صبرنا عليه أو جزعنا منه.
قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: إن أهل النار قال بعضهم لبعض: تعالوا فإنما أدرك أهل الجنة الجنة ببكائهم وتضرعهم إلى الله عز وجل, تعالوا نبك ونتضرع إلى الله فبكوا وتضرعوا فلما رأوا أنه لا ينفعهم قالوا: إنما أدرك أهل الجنة الجنة بالصبر, تعالوا حتى نصبر فصبروا صبراً لم ير مثله, فلم ينفعهم ذلك, فعند ذلك قالوا {سواء علينا أجزعنا أم صبرن} الاَية, قلت: والظاهر أن هذه المراجعة في النار بعد دخولهم إليها, كما قال تعالى: {وإذ يتحاجون في النار فيقول الضعفاء للذين استكبروا إنا كنا لكم تبعاً فهل أنتم مغنون عنا نصيباً من النار, قال الذين استكبروا إنا كل فيها إن الله قد حكم بين العباد} وقال تعالى: {قال ادخلوا في أمم قد خلت من قبلكم من الجن والإنس في النار كلما دخلت أمة لعنت أختها حتى إذا اداركوا فيها جميعاً قالت أخراهم لأولاهم ربنا هؤلاء أضلونا فآتهم عذاباً ضعفاً من النار, قال لكل ضعف ولكن لا تعلمون * وقالت أولاهم لأخراهم فما كان لكم علينا من فضل فذوقوا العذاب بما كنتم تكسبون}, وقال تعالى: {ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلا, ربنا آتهم ضعفين من العذاب والعنهم لعناً كبير} وأما تخاصمهم في المحشر, فقال تعالى: {ولو ترى إذ الظالمون موقوفون عند ربهم يرجع بعضهم إلى بعض القول, يقول الذين استضعفوا للذين استكبروا لولا أنتم لكنا مؤمنين قال الذين استكبروا للذين استضعفوا أنحن صددناكم عن الهدى بعد إذ جاءكم, بل كنتم مجرمين. وقال الذين استضعفوا للذين استكبروا بل مكر الليل والنهار إذ تأمروننا أن نكفر بالله ونجعل له أنداداً وأسروا الندامة لما رأوا العذاب وجعلنا الأغلال في أعناق الذين كفروا هل يجزون إلا ما كانوا يعملون}.

** وَقَالَ الشّيْطَانُ لَمّا قُضِيَ الأمْرُ إِنّ اللّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقّ وَوَعَدتّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مّن سُلْطَانٍ إِلاّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلاَ تَلُومُونِي وَلُومُوَاْ أَنفُسَكُمْ مّآ أَنَاْ بِمُصْرِخِكُمْ وَمَآ أَنتُمْ بِمُصْرِخِيّ إِنّي كَفَرْتُ بِمَآ أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ إِنّ الظّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * وَأُدْخِلَ الّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصّالِحَاتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا بِإِذْنِ رَبّهِمْ تَحِيّتُهُمْ فِيهَا سَلاَمٌ
يخبر تعالى عما خاطب به إبليس أتباعه بعدما قضى الله بين عباده, فأدخل المؤمنين الجنات, وأسكن الكافرين الدركات, فقام فيهم إبليس لعنه الله يومئذ خطيباً ليزيدهم حزناً إلى حزنهم, وغبناً إلى غبنهم, وحسرة إلى حسرتهم, فقال: {إن الله وعدكم وعد الحق} أي على ألسنة رسله, ووعدكم في اتباعهم النجاة والسلامة, وكان وعداً حقاً وخبراً صدقاً, وأما أنا فوعدتكم فأخلفتكم, كما قال الله تعالى: {يعدهم ويمنيهم وما يعدهم الشيطان إلا غرور}, ثم قال: {وما كان لي عليكم من سلطان} أي ما كان لي دليل فيما دعوتكم إليه ولا حجة فيما وعدتكم به {إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي} بمجرد ذلك, هذا وقد أقامت عليكم الرسل الحجج والأدلة الصحيحة على صدق ما جاءوكم به, فخالفتموهم فصرتم إلى ما أنتم فيه {فلا تلوموني} اليوم {ولوموا أنفسكم} فإن الذنب لكم لكونكم خالفتم الحجج واتبعتموني بمجرد ما دعوتكم إلى الباطل {ما أنا بمصرخكم} أي بنافعكم ومنقذكم ومخلصكم مما أنتم فيه, {وما أنتم بمصرخيّ} أي بنافعي بإنقاذي مما أنا فيه من العذاب والنكال {إني كفرت بما أشركتمون من قبل} قال قتادة: أي بسبب ما أشركتمون من قبل, وقال ابن جرير: يقول: إني جحدت أن أكون شريكاً لله عز وجل, وهذا الذي قاله هو الراجح, كما قال تعالى: {ومن أضل ممن يدعو من دون الله من لا يستجيب له إلى يوم القيامة وهم عن دعائهم غافلون * وإذا حشر الناس كانوا لهم أعداء وكانوا بعبادتهم كافرين}, قال: {كلاّ سيكفرون بعبادتهم ويكونون عليهم ضد}.
وقوله: {إن الظالمين} أي في إعراضهم عن الحق واتباعهم الباطل, لهم عذاب أليم, والظاهر من سياق الاَية أن هذه الخطبة تكون من إبليس بعد دخولهم النار كما قدمنا, ولكن قد ورد في حديث رواه ابن أبي حاتم, وهذا لفظه, وابن جرير من رواية عبد الرحمن بن زياد: حدثني دخين الحجري عن عقبة بن عامر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إذا جمع الله الأولين والاَخرين فقضى بينهم ففرغ من القضاء, قال المؤمنون: قد قضى بيننا ربنا, فمن يشفع لنا ؟ فيقولون, انطلقوا بنا إلى آدم, وذكر نوحاً وإبراهيم وموسى وعيسى فيقول عيسى: أدلكم على النبي الأمي, فيأتوني, فيأذن الله لي أن أقوم إليه فيثور من مجلسي من أطيب ريح شمها أحد قط, حتى آتي ربي فيشفعني ويجعل لي نوراً من شعر رأسي إلى ظفر قدمي, ثم يقول الكافرون: هذا قد وجد المؤمنون من يشفع لهم, فمن يشفع لنا ؟ ما هو إلا إبليس هو الذي أضلنا, فيأتون إبليس فيقولون: قد وجد المؤمنون من يشفع لهم, فقم أنت فاشفع لنا, فإنك أنت أضللتنا فيقوم فيثور من مجلسه من أنتن ريح شمها أحد قط, ثم يعظم نحيبهم {وقال الشيطان لما قضي الأمر إن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي فلا تلوموني ولوموا أنفسكم} وهذا سياق ابن أبي حاتم, ورواه المبارك عن رشدين بن سعد عن عبد الرحمن بن زياد بن نعيم, عن دخين عن عقبة به مرفوعاً.
وقال محمد بن كعب القرظي رحمه الله: لما قال أهل النار {سواء علينا أجزعنا أم صبرنا ما لنا من محيص} قال لهم إبليس {إن الله وعدكم وعد الحق} الاَية, فلما سمعوا مقالته, مقتوا أنفسهم فنودوا {لمقت الله أكبر من مقتكم أنفسكم إذ تدعون إلى الإيمان فتكفرون} وقال عامر الشعبي: يقوم خطيبان يوم القيامة على رؤوس الناس, يقول الله تعالى لعيسى ابن مريم: {أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله ؟} إلى قوله {قال الله هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم} قال: ويقوم إبليس لعنه الله فيقول {وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي} الاَية. ثم لما ذكر تعالى مآل الأشقياء وما صاروا إليه من الخزي والنكال, وأن خطيبهم إبليس عطف بمآل السعداء, فقال {وأدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار} سارحة فيها حيث ساروا وأين ساروا {خالدين فيه} ماكثين أبداً لا يحولون ولا يزولون {بإذن ربهم تحيتهم فيها سلام}, كما قال تعالى: {حتى إذا جاءوها وفتحت أبوابها وقال لهم خزنتها سلام عليكم}, وقال تعالى: {والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم}, وقال تعالى: {ويلقون فيها تحية وسلام}, وقال تعالى: {دعواهم فيها سبحانك اللهم وتحيتهم فيها سلام وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين}.